المقابل في العقد وفقاً للقانون الإنجليزي




 المقابل هو أحد العناصر الأساسية لإبرام العقد الصحيح والملزم. يُعرف المقابل بأنه الشيء الذي يُقدمه أحد الطرفين في العقد مقابل الحصول على شيء من الطرف الآخر. يجب أن يكون المقابل كافيًا ولكن لا يُشترط أن يكون متساويًا في القيمة مع ما يُقدم مقابله.
يُمكن تقسيم المقابل إلى نوعين رئيسيين:
  • المقابل الذي يتم الوفاء به أو تنفيذه عند أو بعد إبرام العقد: هذا يعني أن الوفاء بالمقابل يحدث في نفس وقت إبرام العقد أو بعده.
  • المقابل الذي تم الوفاء به أو تنفيذه قبل إبرام العقد: وهذا يشير إلى المقابل الذي يُقدم قبل الدخول في العقد نفسه.
بالإضافة إلى ذلك، هناك شروط يجب توافرها في المقابل حتى يُعتبر صحيحًا وفقًا للقانون الإنجليزي، مثل:

  • يجب أن يكون المقابل كافيًا وليس بالضرورة متساويًا في القيمة.
  • لا يجوز أن يكون المقابل مقابلاً سابقًا.
  • يجب أن يصدر المقابل من المتعاقد الآخر.
  • الالتزامات السابقة القائمة لا تعد مقابلاً صحيحًا

يعد العقد من المصادر الأساسية للالتزامات سواء في النظام القانوني الأنجلوسكسوني مثل القانون الإنجليزى أو في النظام القانوني اللاتيني مثل القانون المغربى، وقد عرف الفقه المغربى العقد بأنه "توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني قد يكون إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه "[1]؛ بينما عرفه النظام الأنجلوسكسوني بأنه "اتفاق بين شخصين أو أكثر أو بين كيانات، يتضمن بنود معينة يعد فيها كل طرف بأن يقوم بأمر ما في مقابل الحصول على منفعة له في المقابل". فأركان العقد في القانون المغربي إذن هي التراضي والمحل والسبب، بينما أركان العقد في القانون الانجليزى والنظام الانجلوسكسوني عموما تتمثل في التراضي الذى يتكون بدوره من الإيجابOfferوالقبول Acceptance وأهلية التعاقدCapacity to Contract و المقابل Consideration أو ما يسمى "بنظرية الاعتبار" وأخيرا اتجاه الإرادة إلى إنشاء روابط قانونية Intention to Create Legal Relations .[2]

و قد عرف الفقه الإنجليزي المقابل بأنه المصلحة التي تتقرر لصالح المتعاقد الذي يتعهد بتنفيذ التزام معين في العقد أو العبء الذي سيتحمل به المتعاقد الآخر لصالح الأول، وبعبارة أخرى فإن العقد يجب أن ينطوي على مصلحة متبادلة لطرفيه حتى يكون نافذا. وفي ذات السياق جرت المحاكم الانجليزية على تعريف المقابل؛ حيث عرفته في قضية Currie V Misa في 1875 بأنه ما يتضمنه العقد من حق أو مصلحة أو ربح لأحد المتعاقدين أو التزام أو عبء على المتعاقد الآخر[3]. وفي قضية Dunlop v Selfridge في 1915، عرفت المحكمة المقابل بأنه يتمثل في القيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو الالتزام بتقديم شيء معين، بحيث يكون ذلك الالتزام هو الثمن الذي يلتزم به المتعاقد في مقابل حصوله على شيء آخر من المتعاقد الآخر[4].

ويوضح الفقه الانجليزى كذلك أن التعريف المتواتر عليه للمقابل في القانون الانجليزى يشترط تقديم شيء ذو قيمة كأن يكون التزاما أو عبء على المتعاقد الآخر (الموجب إليه) أو مصلحة ستتقرر للموجب في مقابل ما سيحصل عليه الموجب إليه من منفعة. فعلى سبيل المثال يعد الثمن الذي يدفعه المشترى هو المقابل لالتزام البائع بتسليم الشئ المبيع وبالتالي فإنه يعتبر مصلحة للأخير وعبء على الأول، وعلى العكس يعد تسليم المبيع بمثابة المصلحة للمشترى وعبء على البائع.[5]

يتضح إذن من تعريف النظام الأنجلوسكسوني للعقد؛ أنه يشترط توافر المقابل في العقد لنشأته ونفاذه، فمتى تخلف المقابل أضحى الالتزام غير ملزم ولا يجوز لمن تقرر لمصلحته اللجوء إلى القضاء للمطالبة بتنفيذه.

و تجدرالإشارة إلى أن ركن المقابل في النظام الأنجلوسكسوني لا يجب خلطه بركن السبب في النظام اللاتيني؛وذلك لأن السبب يتعلق بالغرض من العقد وينحصر فقط فيما إذا كان الباعث أو الدافع للعقد مشروعا لا يخالف القانون،أما المقابل في النظام الانجلوسكسوني؛فيتعلق بالمصلحة التي تتقرر لصالح المتعاقد الذى يتعهد بتنفيذ التزام معين في العقد أو العبء الذى سيتحمل به المتعاقد الآخر لصالح الأول.

وعلى غرار نظرية السبب؛ فإن نظرية الاعتبار عرفت خلافا فقهيا شديدا بين مؤيدي النظرية التقليدية ومنتقديها، ويرجع تاريخ نظرية المقابل أو الاعتبار إلى سنة 1565 حيث جاء مفهوم المقابل في الالتزامات لكي يعوض ما عرف عند الرومان باحترام الموقف (Respect de la parole donnée). ففي مقتبل القرن 19 كان يفهم من الاعتبار إما ذلك الغنم أو الفائدة التي يحظى بها الموجب أو صاحب الوعد، أو ذلك الغرم أو الخسارة التي تكبدها الشخص الموجه إليه الايجاب، في حالة عدم تنفيذ الوعد. وقد عرف هذا المفهوم تطورا بعد ذلك في انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية ليصبح الاعتبار عبارة عن صفقة " أي (بالإنجليزية Bargain) أو (بالفرنسية Affaire أو Marche) الذي يبحث عنها كل من الطرفين من خلال تقديمه للوعد بالتعاقد، فأصبح هذا الشيء هو المعروف بالمقابل أو الاعتبار أو السبب الذي من أجله سيتم التعاقد، و بشكل أوضح هو "مقابل الوعد". و هذا الأخير لا يكفي أن يكون مشروعا؛ بل يجب أن يتوفر عنصري الغنم والغرم معا، أي الربح والخسارة. فمتى حقق تبادل الوعود "صفقة" بالنسبة لطرفي العقد آنذاك يمكن القول أن الاعتبار أو المقابل موجود حسب النظرية التقليدية للاعتبار. أما السبب فيشترط فيه المشروعية و الوجود و أن يكون حقيقيا.
و قد تعرضت النظريتين معا للنقد؛ فما يعاب على النظرية التقليدية للاعتبار كونها قرنت العقد بتحقيق صفقة دونما الاهتمام بما إذا كانت الالتزامات في إطار عقود بعوض أو من غير عوض، كما أن مفهوم الغرم والغنم لا يقتصر على مجال العقد كمصدر من مصادر الالتزامات وإنما يشمل مصادر أخرى يكون فيها التعويض عن الضرر تقصيريا وليس بالضرورة عقديا، كما هو الشأن بالنسبة لحق الاسترداد. و ما يعاب على النظرية التقليدية للسبب أنها ركزت على مرحلة تكوين العقد دون الاهتمام بمراحل تعديل و إنهاء العقد. [6]

و قد تأثر المشرع الفرنسي بمدرسة "الكامنلاو" عند تعديل القانون المدني سنة 2016 ، عندما استبعد نظرية السبب و نص على مفهوم آخر يقوم مقامها و ينسجم مع نظرية الاعتبار أو المقابل؛ و هو " المحتوى المحدد و المشروع".[7]

[1] الدكتور مامون الكزبري كتاب "نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي".
[2] بحث مقدم من د بريهان أبوزيد مدرس القانون المدنى بكلية الدراسات القانونية والمعاملات الدولية بجامعة فاروس Post Doctorate Fellow لمركز القانون الاقتصادي والحوكمة بالجامعة الحرة ببروكسل بلجيكا.
[3]. Currie V Misa 1875 LR 10EX 153, (1875-76) LR 1 APP CAS 554
[4]. DUNLUP V SELFRIDGE LTD, (1915) AC 847
[5]بحث مقدم من د بريهان أبوزيد مدرس القانون المدنى بكلية الدراسات القانونية والمعاملات الدولية بجامعة فاروس Post Doctorate Fellow لمركز القانون الاقتصادي والحوكمة بالجامعة الحرة ببروكسل بلجيكا.
[6]الدكتورة نجوى الرويني "مقارنة في أسس تكوين العقد"، المجلة الالكترونية للأبحاث القانونية 2019 عدد 3.
[7]الدكتورة نجوى الرويني "مقارنة في أسس تكوين العقد"، المجلة الالكترونية للأبحاث القانونية 2019 عدد 3.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-